ابن كثير
436
السيرة النبوية
بعث عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل . قال محمد بن إسحاق : حدثني من لا أتهم ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : سمعت رجلا من أهل البصرة يسأل عبد الله بن عمر بن الخطاب عن إرسال العمامة من خلف الرجل إذا اعتم . قال : فقال عبد الله : أخبرك إن شاء الله عن ذلك . تعلم أنى كنت عاشر عشرة رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده ، أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وأبو سعيد الخدري ، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل فتى من الأنصار فسلم على رسول الله ثم جلس ، فقال : يا رسول الله أي المؤمنين أفضل ؟ قال : أحسنهم خلقا . قال : فأي المؤمنين أكيس ؟ قال : أكثرهم ذكرا للموت وأحسنهم استعدادا له قبل أن ينزل به ، أولئك الأكياس . ثم سكت الفتى . وأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا نزلن بكم - وأعوذ بالله أن تدركوهن - إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يغلبوا عليها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان ، ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء فلولا البهائم ما مطروا ، وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما كان في أيديهم ، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله ويجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم . قال : ثم أمر عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها فأصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء ، فأدناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نقضها ثم عممه بها وأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوا من ذلك . ثم قال : هكذا يا بن عوف فاعتم فإنه أحسن وأعرف .